﴿يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾

﴿يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾

ما الآيةُ بمجرّد تصويرٍ لمشهدٍ أخرويٍّ مهيب، بل هي إفصاحٌ ربّانيّ عن سِرٍّ كان مُحتجبًا في تضاعيف الدُّنيا؛

أنَّ الإيمان ليس دعوى تُستملَح بالألسنة، بل جوهرٌ يتسرّب في أغوار الرُّوح حتى يغدو يوم القيامة ضياءً محسوسًا، تتقدّم به الأرواح وسط الهَوْل، حين تتقوّض الأنوار المصطنعة، وتُفضَح هشاشة ما كان الناس يستندون إليه من زخارف الأرض.


هناك… لا تنفع البهارج التي تكدّست حول الإنسان، ولا ينهض به ما استكثره من وجاهةٍ أو متاع؛

 لأن القيامة تُجرّد الخليقة من كل الأقنعة، ثم تُعيد تعريف الإنسان على حقيقته الأولى: بما استقرّ في قلبه، لا بما استعرضه أمام الناس.

ولهذا لم يقل الله: “يُعطَون نورًا”، بل قال:

﴿يَسْعَىٰ نُورُهُم﴾؛ وكأنّ أعمال البرّ التي أخفوها عن أعين الخلق قد استحالت كائنًا حيًّا يرافقهم، ويشقّ لهم العتمة شقًّا.


إنّ ذلك النور ليس فيضًا طارئًا يُمنح اعتباطًا، بل خُلاصةُ أعمارٍ امتلأت بمغالبة النفس، ومقارعة الهوى، واحتمال الخيبة دون اعتراضٍ على الله.
هو حصادُ السجود الذي لم يشهده أحد، والدَّمع الذي انحدر في جوف الليل ولم يسمعه بشر، والكلمة التي كفَّها صاحبها اتّقاءً للأذى، والرحمة التي بُذلت في صمتٍ دون انتظار الامتنان.
كلّ تلك الخفايا التي ظنّها الناس هينةً،

كانت ـ في ميزان الله ـ 

تُراكم ضياءً سرمديًّا، حتى إذا دهمت القيامة أهلها، انفلق ذلك المخزون نورًا يركض أمام أصحابه.


ولهذا كان الأنبياء ـ على رفعة مقامهم ـ أشدّ الناس وجلًا من خفوت البصيرة؛ لأنهم أدركوا أن العطب الحقيقي لا يُصيب الجسد، بل يصيب القلب حين يستوحش من الله.
فإبراهيم عليه السلام، وقد اجتباه الله خليلًا، لم يأمن المآل وقال:
﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾،
ويوسف عليه السلام، بعد أن دانت له خزائن الأرض، لم تغرّه سطوة المُلك، بل ابتهل قائلًا:
﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾؛
لأنهم كانوا يُبصرون الحقيقة التي يغفل عنها أكثر الناس: أن الإنسان لا يُقاس بما جمعه في الدنيا، بل بما يبقى معه حين تتهاوى الدنيا كلّها من حوله.


إنَّ أخطر ما يُبتلى به المرء ليس الفقر، ولا الانكسار، ولا تعثّر الأمنيات؛ بل أن تتكلّس روحه حتى تفقد قابليتها لإنتاج ذلك النور.
فالقلب القاسي لا يُبصر، وإن اتّسعت عيناه، والرُّوح المُقفِرة لا تهتدي، وإن حفِظت من الحكمة ما حفِظت.


ولهذا فإن كلّ طاعةٍ خالصة، وكلّ مجاهدةٍ صامتة، وكلّ خيرٍ يُصنع بعيدًا عن ضجيج الاستعراض… ليس فعلًا عابرًا ينقضي أثره، بل مادّةُ ذلك النور الذي سيُبعث يوم القيامة سابقًا صاحبه، يفتح له دروب النجاة وسط الزحام الكالح.


فثمّة أناسٌ سيمضون يومئذٍ لا يحملون بين أيديهم مشاعل من نار، بل تاريخًا كاملًا من الصدق مع الله، قد تجسّد نورًا لا ينطفئ.

الجوهرة الخضير-


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف تصنع القراءة كاتبًا

في مطالع الطريق…