كيف تصنع القراءة كاتبًا
لم يكن الطريق إلى ما أكتبه اليوم مفروشًا بتخصصٍ أكاديميٍ أدبي، ولا مؤسسًا على دراسةٍ منهجيةٍ في اللغة العربية، بل كان طريقًا تشكّل على مهلٍ، عبر الشغف، والملاحظة، والقراءة، ثم عبر جذورٍ أُسِّست في وقتٍ مبكرٍ دون أن أدرك حينها أثرها العميق
فأنا الجوهرة
لم يكن تخصصي يومًا في اللغة العربية، بل كان مساري العلمي بعيدًا عنها تمامًا؛
إذ كان توجهي بين تصميم الأزياء والموارد البشرية، وهما عالمان لا يبدوان على ظاهر الأمر متصلين باللغة والكتابة. غير أن الإنسان كثيرًا ما يُفاجأ بأن ميوله الحقيقية تنمو في المساحات التي أحبّها قلبه، لا في المسارات التي اختارها عقله
لقد كان لوالدتي أطال الله عمرها على الطاعة والصحة
الأثر الأول في تشكيل هذا الميل
فقد كانت تخصص لنا أيام الإجازة الأسبوعية
— حين كانت الإجازة يومي الخميس والجمعة —
جلساتٍ هادئة نقرأ فيها وجهًا من القرآن الكريم
ولم تكن القراءة عندها مجرد تلاوةٍ عابرة، بل كانت وقفة فهمٍ وتدبر
فإذا مررنا بآيةٍ استصعبنا معناها، أو كلمةٍ خفي علينا نطقها، توقفت بنا عندها، وفسّرتها تفسيرًا صحيحًا من مصادر موثوقة، ثم تعلّمنا معها أحكام التجويد؛
من إدغامٍ وغنّة، ومدودٍ ومخارج الحروف، حتى أصبح القرآن الكريم مدرسةً لغويةً متكاملة، ننهل منها دون أن نشعر.
ولعلّي لم أدرك آنذاك أن تلك اللحظات البسيطة كانت تُنشئ في داخلي حسًّا لغويًا، وذائقةً بيانية، وميلًا نحو جمال التعبير، حتى كبرتُ وأنا أجد نفسي أميل إلى القراءة، وأستأنس بالنصوص، وأبحث عن المعنى العميق خلف الكلمة
ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة القراءة لدي، فمالت نفسي إلى الكتب الدينية، ثم إلى النصوص الثقافية، والقراءات السياسية، لما فيها من عمقٍ فكري، وثقلٍ لغوي، واتساعٍ في المفردات والمعاني.
ومن هنا بدأ يتشكل الأسلوب، وتتكون اللغة، ويترسخ الميل نحو الكتابة
ولا أدّعي الكمال في اللغة، فالعلم بحرٌ لا ساحل له، واللغة العربية محيطٌ واسعٌ لا يُدرك غوره.
ولا يزال المرء يجهل كلماتٍ، ويبحث عن معانٍ،
ويتعلم مع كل قراءةٍ جديدة. غير أن الاستمرار في القراءة، والتأمل، ومراجعة المعاجم، كفيلٌ بأن يصقل الأسلوب، ويهذب اللغة، ويمنح الكاتب نضجًا متدرجًا
ولهذا، فإنني أنصح كل من يرغب في تنمية لغته العربية أن يبدأ من القرآن الكريم؛
فهو أعظم مدرسةٍ لغوية، وأصدق بيان، وأفصح نص. يكفي أن يخصص القارئ وجهًا واحدًا يوميًا، لا للقراءة فحسب، بل لتأمل الكلمات، وضبط النطق، والوقوف عند المعاني؛
فسيجد أن اللغة تنمو فيه دون أن يشعر.
وسأذكر بإذن الله
بعض المصادر التي أفادتني، بعد حصرها، في تدوينةٍ مستقلة، لمن أراد التوسع والاستفادة.
هذه ليست قصة تخصصٍ أكاديمي، بل قصة شغفٍ نما، وبذرةٍ زُرعت، وقراءةٍ امتدت،
حتى تشكّلت اللغة، وصار التعبير امتدادًا طبيعيًا للفكر
وإنما أكتب هذا لمن أراد الفائدة، ولمن يظن أن الإبداع اللغوي حكرٌ على المتخصصين؛ فالحقيقة أن اللغة تُمنح لمن أحبّها، وأخلص لها، وصبر على طريقها.
تعليقات
إرسال تعليق