﴿يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾
﴿يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ ما الآيةُ بمجرّد تصويرٍ لمشهدٍ أخرويٍّ مهيب، بل هي إفصاحٌ ربّانيّ عن سِرٍّ كان مُحتجبًا في تضاعيف الدُّنيا؛ أنَّ الإيمان ليس دعوى تُستملَح بالألسنة، بل جوهرٌ يتسرّب في أغوار الرُّوح حتى يغدو يوم القيامة ضياءً محسوسًا، تتقدّم به الأرواح وسط الهَوْل، حين تتقوّض الأنوار المصطنعة، وتُفضَح هشاشة ما كان الناس يستندون إليه من زخارف الأرض. هناك… لا تنفع البهارج التي تكدّست حول الإنسان، ولا ينهض به ما استكثره من وجاهةٍ أو متاع؛ لأن القيامة تُجرّد الخليقة من كل الأقنعة، ثم تُعيد تعريف الإنسان على حقيقته الأولى: بما استقرّ في قلبه، لا بما استعرضه أمام الناس. ولهذا لم يقل الله: “يُعطَون نورًا”، بل قال: ﴿يَسْعَىٰ نُورُهُم﴾ ؛ وكأنّ أعمال البرّ التي أخفوها عن أعين الخلق قد استحالت كائنًا حيًّا يرافقهم، ويشقّ لهم العتمة شقًّا. إنّ ذلك النور ليس فيضًا طارئًا يُمنح اعتباطًا، بل خُلاصةُ أعمارٍ امتلأت بمغالبة النفس، ومقارعة الهوى، واحتمال الخيبة دون اعتراضٍ على الله. هو حصادُ السجود الذي لم يشهده أحد، والدَّمع الذي انحدر في جوف الل...