كيف تصنع القراءة كاتبًا
لم يكن الطريق إلى ما أكتبه اليوم مفروشًا بتخصصٍ أكاديميٍ أدبي، ولا مؤسسًا على دراسةٍ منهجيةٍ في اللغة العربية، بل كان طريقًا تشكّل على مهلٍ، عبر الشغف، والملاحظة، والقراءة، ثم عبر جذورٍ أُسِّست في وقتٍ مبكرٍ دون أن أدرك حينها أثرها العميق فأنا الجوهرة لم يكن تخصصي يومًا في اللغة العربية، بل كان مساري العلمي بعيدًا عنها تمامًا؛ إذ كان توجهي بين تصميم الأزياء والموارد البشرية، وهما عالمان لا يبدوان على ظاهر الأمر متصلين باللغة والكتابة. غير أن الإنسان كثيرًا ما يُفاجأ بأن ميوله الحقيقية تنمو في المساحات التي أحبّها قلبه، لا في المسارات التي اختارها عقله لقد كان لوالدتي أطال الله عمرها على الطاعة والصحة الأثر الأول في تشكيل هذا الميل فقد كانت تخصص لنا أيام الإجازة الأسبوعية — حين كانت الإجازة يومي الخميس والجمعة — جلساتٍ هادئة نقرأ فيها وجهًا من القرآن الكريم ولم تكن القراءة عندها مجرد تلاوةٍ عابرة، بل كانت وقفة فهمٍ وتدبر فإذا مررنا بآيةٍ استصعبنا معناها، أو كلمةٍ خفي علينا نطقها، توقفت بنا عندها، وفسّرتها تفسيرًا صحيحًا من مصادر موثوقة، ث...