المشاركات

﴿يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾

​ ﴿يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ ما الآيةُ بمجرّد تصويرٍ لمشهدٍ أخرويٍّ مهيب، بل هي إفصاحٌ ربّانيّ عن سِرٍّ كان مُحتجبًا في تضاعيف الدُّنيا؛ أنَّ الإيمان ليس دعوى تُستملَح بالألسنة، بل جوهرٌ يتسرّب في أغوار الرُّوح حتى يغدو يوم القيامة ضياءً محسوسًا، تتقدّم به الأرواح وسط الهَوْل، حين تتقوّض الأنوار المصطنعة، وتُفضَح هشاشة ما كان الناس يستندون إليه من زخارف الأرض. هناك…  لا تنفع البهارج التي تكدّست حول الإنسان، ولا ينهض به ما استكثره من وجاهةٍ أو متاع؛  لأن القيامة تُجرّد الخليقة من كل الأقنعة، ثم تُعيد تعريف الإنسان على حقيقته الأولى: بما استقرّ في قلبه، لا بما استعرضه أمام الناس. ولهذا لم يقل الله: “يُعطَون نورًا”، بل قال: ﴿يَسْعَىٰ نُورُهُم﴾ ؛ وكأنّ أعمال البرّ التي أخفوها عن أعين الخلق قد استحالت كائنًا حيًّا يرافقهم، ويشقّ لهم العتمة شقًّا. إنّ ذلك النور ليس فيضًا طارئًا يُمنح اعتباطًا، بل خُلاصةُ أعمارٍ امتلأت بمغالبة النفس، ومقارعة الهوى، واحتمال الخيبة دون اعتراضٍ على الله. هو حصادُ السجود الذي لم يشهده أحد، والدَّمع الذي انحدر في جوف الل...

كيف تصنع القراءة كاتبًا

  لم يكن الطريق إلى ما أكتبه اليوم مفروشًا بتخصصٍ أكاديميٍ أدبي، ولا مؤسسًا على دراسةٍ منهجيةٍ في اللغة العربية، بل كان طريقًا تشكّل على مهلٍ، عبر الشغف، والملاحظة، والقراءة، ثم عبر جذورٍ أُسِّست في وقتٍ مبكرٍ دون أن أدرك حينها أثرها العميق فأنا  الجوهرة  لم يكن تخصصي يومًا في اللغة العربية، بل كان مساري العلمي بعيدًا عنها تمامًا؛  إذ كان توجهي بين تصميم الأزياء والموارد البشرية، وهما عالمان لا يبدوان على ظاهر الأمر متصلين باللغة والكتابة. غير أن الإنسان كثيرًا ما يُفاجأ بأن ميوله الحقيقية تنمو في المساحات التي أحبّها قلبه، لا في المسارات التي اختارها عقله لقد كان لوالدتي أطال الله عمرها على الطاعة والصحة   الأثر الأول في تشكيل هذا الميل فقد كانت تخصص لنا أيام الإجازة الأسبوعية  — حين كانت الإجازة يومي الخميس والجمعة —  جلساتٍ هادئة نقرأ فيها وجهًا من القرآن الكريم ولم تكن القراءة عندها مجرد تلاوةٍ عابرة، بل كانت وقفة فهمٍ وتدبر فإذا مررنا بآيةٍ استصعبنا معناها، أو كلمةٍ خفي علينا نطقها، توقفت بنا عندها، وفسّرتها تفسيرًا صحيحًا من مصادر موثوقة، ث...

في مطالع الطريق…

  في مطالع الطريق… لا يكتب الإنسان ليملأ فراغًا، بل ليوقظ معنى. فهذه الكلمات ليست حروفًا مصطفّة، بل محاولة لفهم الحياة، وتأمل ما يمرّ بالقلب من صمتٍ لا يُقال، ومعانٍ يعجز اللسان عنها، فتتكفّل بها الكتابة. تمرّ الأيام، والإنسان يحمل في صدره قلقًا خفيًّا، يحسب أنّ الظروف تحاصره، وأن الطرق تضيق، وأن الأبواب أوصدت دون رجاء. حتى تأتي لحظة صفاءٍ خفيّة… يستشعر فيها عظمة القادر، ويوقن أنّ التدبير ليس بيد البشر، وأنّ ما ضاق إلا ليُفسح، وما تأخّر إلا ليأتي في أوانه الأجمل. عندها… يتبدّل ثقل القلق سكينة، ويصير اليقين وطنًا، وتغدو الحياة — رغم اضطرابها — أرحب مما يُظن. وهنا تُكتب الكلمات… لا ادّعاءً للحكمة، ولا تزاحمًا مع الأصوات، بل محاولة صادقة لملامسة المعنى، وإيصال ما قد يمرّ به الكثيرون دون أن يجدوا له عبارة. فإن أصابت الكلمات، فذلك توفيقٌ من الله، وإن أخطأت، فالنقص من طبيعة الإنسان، ونسأل الله أن يجعل الحرف نافعًا، والأثر طيبًا، وأن تكون هذه المساحة شهادةً لنا لا علينا. ولأجل الأمانة التي تُزهر بها الأخلاق، فإن نسبة القول إلى غير قائله تُفقد المعنى روحه، ...